كثيرا ما تعوق الانتماءات الوطنية ، كتابة و فهم المنهج التأريخي بشكل أقرب للحياد و الموضوعية
فأثناء الحروب و الصراعات ، عادة تتخذ الدولة المهزومة أمام الشعب مبررا لهزيمتها
فقد يكون هذا التبرير ، تحريفا في موضوع و حقائق حول بعض الأحداث
و قد يكون مجرد لي عنق لبعض الأحداث عن طريق النظر إليها من زاوية أخري غير الزاوية المطلوبة .. أو إستخدام ألفاظ و شعارات رنانة لها تأثير علي كيفية إستيعاب الجمهور العادي لتلك الأحداث التاريخية
و هذا ، يفرق بين الحكام الديكتاتوريون ، و الحكام الديموقراطيون ، في كيفية تعاملهم مع المعطيات التاريخية ، أو الأحداث التي ستصبح تاريخا فيما بعد
فالديكتاتوريون ، لا ينظرون إلي التاريخ كمنهج علمي موضوعي يضع الأحداث بشكل تسلسلي مترابط ، أقرب للموضوعية ، و خالي من أي تعصب ... بل ينظرون إليه كوسيلة أساسية للوصول إلي مرحلة عليا من الوطنية ، تفيد الحاكم و تحسن صورته أمام العامة ، و تسخر له الشعب لتلبية مطالب تندرج تحت الوطنية المزيفة
فمثلا ، خطاب تنحي الرئيس المصري السابق "جمال عبد الناصر" بعد هزيمة 1967 ، يضع الجمهور العام أمام إختيارين
إما التضحية بالرئيس ، و بذلك الاعتقاد بالتضحية بأرض سيناء بعد إحتلالها
أو التمسك به ، و نسيان مسؤوليته الكاملة عن الهزيمة ... و هذا ما حدث
فالرئيس هنا ، خاطب العامة بلغة العاطفة
و قد سجل التاريخ هذا الحدث و ركز علي وطنية الشعب المصري و إرادته في إبقاء الرئيس .. و لم يشر التاريخ إلي إستراتيجية الرئيس في تأثيره علي الشعب عاطفيا كي لا يحاكمه يوما و يضعه أمام المسؤولية
و لذلك ، فجمال عبد الناصر ، هو شخصية وطنية مصرية ، بناها الوعي الوطني المتأثر بالخطاب العاطفي أثناء أوقات و أحداث معينة
و نفس الوسيلة في تغييب عقول المصريين حول السبب الرئيسي في انتصار حرب أكتوبر 1973
فغالبية الكتب التاريخية ، توضح ان مصر انتصرت عسكريا علي إسرائيل .. مما أعطي انطباعا خاطئا علي أن الجيش المصري يتعدي الجيش الاسرائيلي في القوة
و المعروف و المثبوت هو عكس ذلك ... و أن الانتصار جاء من الناحية السياسية عن طريق مفاوضات و اتفاقيات في وجود شروط معينة من قبل القوة الكبري و المسيطرة كإسرائيل و أمريكا عن طريقها
و هنا يتضح الوعي الديموقراطي ، و الوعي الديكتاتوري في عملية التأريخ .. و من ثم ، فهمها
فالوطنية ، تضع شخصا ما ، أو حدث ما في هالة قدسية تمنع التقرب منها
و هذا ينزع عن الكتابة التاريخية أي موضوعية و حياد .. لأن التاريخ كمنهج علمي ، يجب ان يعتمد علي الرؤية النقدية للأحداث و الشخصيات .. و ليس التمجيد
فالآن مثلا في مصر ، بعد عرض مسلسل "فاروق" ، الذي يتناول قصة حياة الملك فاروق منذ ولادته ، و حتي رحيله عن مصر بعد ثورة يوليو 1952 ، تغير الكثير في وعي الجمهور العام حول شخصية الملك
فالكثير من الناس ، كانوا يظنون هذا الملك ، دائم في شرب الخمر ، و معاشرة نساء بشكل غير شرعي
لكن بعد عرض هذا المسلسل ، نظروا إليه كشخص وطني لم يكن يفكر سوي في الوطن
في نظري ، تلك النقاط التي تبدو متناقضة ، ليس شرطا أن تكون كذلك
فأحدها خاص بالحياة الشخصية .. و الأخري خاصة بالحياة العملية تجاه الوطن
هذا قد سبب رؤية متعصبة لشخصية الملك .. كأنه ملاك يمشي علي الأرض و يحكم مصر
و في نظري ، ليس من المستحيل وجود تلك النقاط في نفس اللحظة
فالحاكم ، ليس ملاكا ، أو شيطانا
طبعا أنا هنا لا أحكم علي الإطلاق علي شخصية الملك
بل أنا فقط أؤكد ان الوطنية تؤثر سلبا علي فهم و إستيعاب التاريخ ، موضحا ان مثل هذا العمل الفني ، لا يمكن ان يتخذ كمرجيعة تاريخية لتلك الحقبة التاريخية في مصر الحديثة
بل يكفي فقط كأداة لنشر نظرة جديدة من زاوية مختلفة لتك الفترة
و هذا لأن المسلسل ، لم يناقش شخصية الملك من ناحية موضوعية نقدية .. بل ناقشها من ناحية وطنية ، و وضعه في هالة قدسية كبيرة
فأنا أطلب من كتاب التاريخ في الوقت الحالي ، أن يراعوا هذا النقطة المهمة في كتاباتهم .. أي التفرقة بين المنهج العلمي النقدي للتاريخ .. و بين الوطنية و القدسية الانحيازية
و من هنا ، يتغير فهمنا المطلق لكثير من الأحداث ، و التي أصبحت مسلمات تاريخية
يحضرني هنا مثال ، و هو نظرية "المعجزة اليونانية" ، التي تعتبر إنجازات الاغريق القدامي ، هي خلاصة عقل إغريقي خالص
و هذه نظرة وطنية قدسية ، تتناقض تماما مع أسس الاتصال الحضاري بين جميع الحضارات
فالحضارات ، دائما علي إتصال و إندماج ، إما بالصراعات ، أو التجارة ، أو الهجرة ، و غيرهم
فأن نزعنا الوطنية عن كثير من مخلفاتنا التاريخية ، حتما سنصل إلي نتائج نسئم منها و نرفضها معنويا .. لكنها بالتأكيد في غاية الأهمية لفهم واقعنا الحالي ، و مساعدتنا علي تنبؤ و توقع المستقبل